الصفحة الرئيسية  قضايا و حوادث

قضايا و حوادث دائما في البال انتحار فوزيّة الطالبي: رحــلـــــت مـــن كـــانت تعتـــقــد أن «الولد بلـد»...

نشر في  26 جوان 2018  (10:37)

بكت الشمس والقمر والنّجوم يوم ارتعشت فيه الأرامل وأطفالهم وحتى المتزوّجات... غضب البحر واهتزّت الأرض  بما فيها ومن عليها... صمتت الموسيقى... انتشر الحزن في الكون... فأصبح الكلام صقيعا يشبه كلام السكران المغلوب على أمره...فتح الباب... أغلق الباب... يوم فرحت الجماهير بالبطولات الكروية... غادرت فوزية الطالبي المدرّسة النائبة شغلها وعائلتها وأحلامها بعد أن سكبت سائلا حارقا على جسدها فالتهبت والتهبت ثم التهبت حتى ماتت بعد صراع دام 18 يوما وليلة بتمامها وكمالها... ويوم 23 أفريل 2018، ابتلعتها الأرض بينما كل أطفال الدنيا مصطفون فوق الجبال ينشدون لفوزية أغنية «محلاك يا ماما.. محلاك يا ماما» لتكتسح الدّموع البحار...

كانت فوزية الطالبي مدرّسة نائبة في مدرسة الشتاتلة من ولاية الكاف... من منّا سمع من قبل بهذه المنطقة أو بأحلام تلميذات  الشتاتلة وتلاميذها الذين لا يعرفهم مجانين كرة القدم وسكان الأحياء الراقية وحتى السياسيون؟ هناك في أريافنا جزر مطوّقة ببحار عاصفة وقروش مهدّدة ونسيان يطوّق الناس ـ الجدران.
في يوم من الأيّام شاهدت فوزية الطالبي ـ لأنّ لها أبا ترفع اسمه وأمّا حنون اسمها «ما» ـ ... معلما يعنف التلاميذ والتلميذات... فالتقطت بهاتفها صورا من الجريمة لرفضها تعنيف من أسماهم الشاعر الأبنودي «ان الولد بلد»... اشتكت لمندوبية التعليم.. اشتكت لوزارة التعليم... لكن الإدارة بكلّ من فيها وكذلك الوزارة بكلّ موظّفيها لم يصغوا لكلام فوزية لأنّها فتاة ريفيّة... لأنّها انسانة حقّا.. لأنّها تحب الأطفال كما لا يحبّهم أحد... لأنّها كانت مؤمنة بأنّ المعرفة حبّ وعلم...
كثرت الضغوطات عليها... والمكالمات الهاتفية... ضغوطات حتى تسحب شكواها!

تمّ نقلها الى مدرسة فوق الربوة تبعد 9 كيلومترات  عن مقرّ سكناها لتضطرّ الى التنقّل عبر سيارات النقل الجماعي الذين تمّ تحريض أصحابها على ألاّ يسمحوا لها بالرّكوب فانتقلت على قدميها في «غياب» الحافلات.. قوي ضغط التهديدات فضعفت فوزية الجميلة التي ليس لها مال أو صديق اعلامي أو سياسي أو محامي أو عائلة  تحميها من شرّ الكبار والصّغار...
تهاطلت التهديدات.. ربما بحذف اسمها من قائمة المعلّمين النواب إن هي تمسّكت بشكواها ضد المدرس المعنّف لأبناء المستقبل والمدير الذي لم يساندها والمندوب والوزارة التي ليس لها قلب أو أعين...
ولأنّ الضغط كان أشرس من شياطين الأرض والسماء قررت فوزية الحدّ من حياتها... فأطفأت الشمعة التي كانت تضيئها عندما حاصرها اليأس من كلّ صوب... جعلت منها النار قربانا.. ضحك كل من ظلمها وذهب الى المقهى لاحتساء قهوة «الاكسبراس» وللتندّر مع الأصدقاء والتهكّم على فوزية وأحلام فوزية ودفاعها عن تلاميذ فقراء.
مات الحلم مع موت فوزية وما بقي الاّ مواصلة المطالبة لمعرفة من تسبّب في موتها... رحلت من كانت تعتقد أن «الولد بلد»...